علي الهجويري

60

كشف المحجوب

ومشط ، وقد ألقى بالكوب عندما رأى شخصا يشرب الماء بيديه وألقى بالشط عندما رأى شخصا يستخدم أصابعه ، ولبس الصوف لموسى الذي كان رداؤه من الصوف ، والفقر لمحمد الذي أعطاه اللّه مفاتيح كنوز الدنيا قائلا : « لا تأس عليهم وخذ ما تريد من متاع هذه الكنوز . فأجاب : أشبعنى يوما وأجعنى يومين » وهذه أسمى مبادئ السلوك . ويقول الحصري : « الصوفي لا يوجد بعد عدمه ولا يعدم بعد وجوده » « 3 » بمعنى أنه لا يفقد أبدا ما وجده ولا يجد أبدا ما فقده . وهناك معنى آخر هو وجوده ليس فيه « لا وجود » وأن لا وجوده ليس فيه وجود أي وقت بحيث يكون ، إما في إثبات بغير نفى ، أو في نفى بغير إثبات . والغرض من كل هذه التعبيرات هو أن بشرية الصوفي يجب أن تتلاشى ، وشواهده يجب أن تختفى ، وارتباطه يجب أن ينقصم ، حتى ينكشف سر بشريته وتتجمع تفاريقه في حال الجمع ، وحتى يحيا في نفسه . ويمكن أن تظهر نتيجة ذلك في حياة رسولين : أولهما موسى الذي لم يكن في وجوده عدم ولهذا قال : قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي « 1 » وثانيهما محمد الذي لم يكن في عدم وجود فقال اللّه تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ « 2 » . إن الأول سأل مولاه أن يزينه وناشده تشريفه إياه . ولكن الثاني قد نال الشرف إذ لم يكن له سؤال أو بغية يطلبها لنفسه .

--> ( 3 ) طبقات الصوفية - رجع سابق ص 491 . ( 1 ) سورة طه : آية 25 ، 26 . ( 2 ) سورة الشرح : آية 1 .